أثارت مراسم وداع المرشد الأعلى الإيراني السابق آية الله علي خامنئي موجة واسعة من التفاعل والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يقتصر اهتمام المستخدمين على البعد السياسي للحدث، بل انصب التركيز بشكل لافت على التفاصيل البروتوكولية والرمزية التي رافقت التشييع، بدءاً من الموسيقى الجنائزية مروراً بالآيات القرآنية المختارة، وصولاً إلى مشاهد البكاء الجماعية وهوية النعوش المرافقة.
شكل عزف الموسيقى الجنائزية (المارشات العسكرية الحزينة) أحد أبرز محاور الجدل. في السياق الإيراني، لا تُستخدم الموسيقى الآلية عادةً في المراسم الدينية الرسمية ذات الطابع الجنائزي، حيث يُفضل الاكتفاء بتلاوة القرآن أو الأذان أو المراثي الصوتية (الروضة/المجلس). ظهور فرق موسيقية تعزف ألحاناً جنائزية غربية الطابع أثناء دخول الوفود ونقل الجثمان، قُرئ من قبل مراقبين على أنه إشارة إلى “دولة المؤسسات” والجيش، ومحاولة لتأطير المراسم ضمن بروتوكول رسمي دولي موحد، يتجاوز الطابع الحوزوي البحت، وهو ما فسره البعض كرسالة ضمنية حول استمرارية الدولة ونظامها الجمهوري بصورته الحالية.
لم يكن اختيار الآيات القرآنية التي رافقت المراسم عشوائياً برأي المتابعين. ركزت التلاوات على آيات تتحدث عن “الولاية”، “الطاعة لأولي الأمر”، “الثبات على العهد”، و”استمرار الطريق”، مثل آيات من سورة آل عمران وسورة التوبة وسورة محمد. هذا الانتقاء الدقيق يُفهم في الأدبيات السياسية الإيرانية على أنه “توجيه شرعي” للمرحلة الانتقالية، يهدف إلى شرعنة عملية انتقال السلطة وتثبيت شرعية الخليفة (المرشد الجديد) مسبقاً في الوعي الجمعي، عبر ربط طاعته بطاعة الله والرسول، وتقديم المراحل القادمة كاستمرار طبيعي لـ “خط الإمام” و”خط الشهادة”.
لفت الانتباه وجود نعوش أخرى إلى جانب نعش المرشد، تحمل صوراً لقياديين بارزين اغتيلوا أو قتلوا في مواجهات سابقة، أبرزهم قادة في “فيلق القدس” و”حزب الله” وحركات المقاومة الإقليمية. هذا الحضور الرمزي لم يكن تكريماً عابراً، بل صياغة بصرية لمفهوم “وحدة الساحات” و”جبهة المقاومة”، يراد منه القول إن مشروع المرشد الراحل لم يمت برحيله، بل يمتد عبر هؤلاء “الشهداء” ويكمل طريقه في الجغرافيا الإقليمية. الرسالة الموجهة للخارج والداخل معاً: المحور متماسك، والقيادة الجماعية بديلة للقيادة الفردية الكاريزمية.
انتشرت مقاطع تُظهر بكاء مسؤولين كبار، وقادة عسكريين، وضيوف أجانب، وحتى عناصر من الحرس الثوري والبسيج. انقسم المعلقون بين من رأى في الدموع تعبيراً صادقاً عن فقدان “الأب الروحي” والقائد التاريخي الذي حكم لعقود، ومن اعتبرها جزءاً من “هندسة الطقوس” اللازمة لترسيخ الهيبة والولاء للنظام في لحظة فراغ سلطوي حساسة. في علم اجتماع السياسة، تُستخدم جنازات الزعماء الكاريزميين كـ “طقوس مرور” (Rites of Passage) لتحويل الحزن الفردي إلى ولاء جماعي للوريث والنظام.
بعيداً عن التحليلات النخبوية، تؤثر هذه التفاصيل على المواطن الإيراني والمتابع الإقليمي بطرق عملية: أولاً، طبيعة الموسيقى والبروتوكول تشير إلى مدى سيطرة المؤسسة العسكرية والأمنية على المرحلة الانتقالية، مما ينعكس على الحريات العامة والسياسات الاقتصادية. ثانياً، الآيات المختارة ترسم خارطة الطريق الأيديولوجي للسنوات القادمة، وتحدد سقف الحريات الدينية والاجتماعية. ثالثاً، حضور “نعوش المحور” يحدد أولويات الإنفاق الخارجي والدور الإقليمي على حساب الاحتياجات الداخلية. رابعاً، درجة الانضباط العاطفي الظاهر في المراسم تقيس قدرة النظام على حشد قاعدته الاجتماعية في مواجهة الأزمات المعيشية المتصاعدة. المراسم إذن ليست مجرد وداع، بل “استفتاء بصري” على شرعية المرحلة المقبلة.
Image: Photo: syd.trgt · Pexels
Based on reporting from BBC Arabic.
Cookies & Privacy: This website uses cookies to ensure you get the best experience on our website. Read more.