بعد ستة أيام تحت الأنقاض، كيف نجح فريق أردني في إنقاذ طفل من بين ركام زلزال فنزويلا؟

في مشهد نادر الحدوث، نجح الفريق الدولي الأردني للبحث والإنقاذ في انتشال طفل فنزويلي حياً من تحت أنقاض منزله المدمر، وذلك بعد مرور ستة أيام كاملة على الزلزال الذي ضرب مناطق في فنزويلا. وصفت نائبة الرئيس الفنزويلية، ديلسي رودريغيز، العملية بأنها “معجزة”، في إشارة إلى ندرتها الشديدة نظراً للعوامل الفسيولوجية والبيئية التي عادة ما تحسم مصير المحاصرين خلال الساعات والأيام الأولى.

تفاصيل العملية: سباق مع الزمن والفيزياء

جاءت عملية الإنقاذ هذه تتويجاً لجهود مكثفة بذلها الفريق الأردني المتخصص، الذي يعمل تحت مظلة الدفاع المدني ويمتلك اعتماداً دولياً من مجموعة “الإنساراج” (INSARAG) التابعة للأمم المتحدة. وبحسب المعطيات الميدانية، ركز الفريق جهوده على موقع محدد بعد رصد إشارات حياة، ليتمكن المسعفون والمنقذون من الوصول إلى الطفل وتقديم الإسعافات الأولية اللازمة له في موقع الحادث قبل نقله إلى المرافق الطبية. وتكتسب هذه العملية دلالة تقنية بالغة، إذ إن “النافذة الذهبية” للإنقاذ الحي عادة ما تُقدر بـ 72 ساعة، فيما تجاوزت هذه الحالة حاجز الـ 144 ساعة، مما يضعها في خانة الاستثناءات الطبية النادرة التي تتحدى معدلات البقاء المتوقعة.

السياق: الزلزال وقدرات الاستجابة الدولية

ضرب الزلزال مناطق فنزويلية متسببة في انهيارات واسعة للبنية التحتية والمباني السكنية، ما استدعى استنفار آليات الاستجابة الدولية. يُعد الفريق الأردني للبحث والإنقاذ أحد الأذرع الفاعلة في المنظومة الأممية للكوارث، وله سجل حافل في المشاركة في كبرى الكوارث العالمية، من زلزال هايتي 2010، مروراً بزلزال تركيا وسوريا 2023، وصولاً إلى المغرب وليبيا. وتتميز هذه الفرق بالجاهزية العالية للانتشار السريع خلال ساعات، وحمل معدات متطورة تشمل أجهزة الاستماع الزلزالي، وكاميرات التصوير الحراري، وأدوات القطع والرفع الثقيلة، إلى جانب كوادر طبية قادرة على التعامل مع متلازمة السحق (Crush Syndrome) التي تهدد حياة الناجين لحظة تحريرهم.

لماذا تُعتبر “معجزة” طبية ولوجستية؟

من الناحية الفسيولوجية، يعتمد البقاء تحت الأنقاض لأيام على توفر ثلاثة عوامل حاسمة: الهواء، والماء، ودرجة حرارة الجسم، فضلاً عن خلو الإصابات من نزيف داخلي حاد أو كسور معقدة. في اليوم السادس، يكون الجسم قد استهلك مخازنه من الطاقة ودخل في مرحلة هدم عضلي خطيرة، كما ترتفع مخاطر الفشل الكلوي الحاد بسبب إطلاق السموم من العضلات المتضررة (متلازمة السحق). نجاح الفريق الأردني لا يعني فقط الوصول للطفل، بل قدرته على إدارة الحالة الطبية المعقدة في الميدان فوراً لمنع الوفاة المفاجئة بعد التحرير، وهو ما يعكس مستوى التدريب العالي للطاقم الطبي المرافق.

الأثر على القارئ: دروس في الجاهزية والتعاون الدولي

بعيداً عن الجانب الإنساني المؤثر، تحمل هذه القصة رسائل عملية للقارئ العادي. أولاً، تذكرنا بأهمية معايير البناء المقاوم للزلازل، فمعظم الوفيات في الكوارث الزلزالية تنتج عن انهيار مبانٍ غير مطابقة للمواصفات، لا عن الهزة الأرضية بحد ذاتها. ثانياً، تبرز قيمة الاستثمار الوطني في فرق إنقاذ معتمدة دولياً؛ فالأردن -بدوره- يقع على صدع البحر الميت النشط، والقدرات التي يصدرها للخارج هي ذات القدرات التي تحمي مواطنيه محلياً. ثالثاً، تؤكد أن التنسيق الدولي عبر مظلة الأمم المتحدة (نظام الإنساراج) ليس بروتوكولاً بيروقراطياً، بل آلية تنقذ أرواحاً فعلياً عندما تتعطل القدرات المحلية للكارثة. في المحصلة، بقاء طفل لستة أيام ليس مجرد خبر مفرح، بل شهادة على أن العلم والتدريب والتعاون الدولي قادرون على كسر معادلات الموت الحتمية في الكوارث.

Image: KarlHeintz · BY-SA · Openverse

Based on reporting from bbc.com.